أضواء على المسيحية
مقدمة
مع ميلاد المسيح في مغارة بيت لحم يبدأ حدث كبير في تاريخ البشرية ويظهر في المذود طفل إلهي يهز العالم ومعه تعلن تعاليم ديانة جديدة قلبت مفاهيم العالم القديم رأساً على عقب.
I – الاجواء التي ظهرت فيها المسيحية
دخل المسيح التاريخ في الوقت الذي كانت فيه روما تحكم ارض اسرائيل – وجنودها يقمعون الشعب. والحكام يأخذون الضرائب. والفساد الخلقي مستشرٍ الى آخر الحدود. والصراع حول السلطة في الامبراطورية يأخذ شكل اغتيالات للاباطرة بالتوالي، والطبقات الميسورة تعيش حياة فاحشة ولا قيمة عندها إلاّ لما يرضي الشهوات الجسدية.
· العالم الوثني الذي اتخمته المادة كان متعطشاً الى تيار روحي.
· واليهود ينتظرون مخلصاً مسيحاً تكلم عنه الانبياء واعتقدوه قائداً يحررهم من الرومان.
· في هذا الجو ولد المسيح من قبيلة داود ونسل ابراهيم في مغارة بيت لحم. بشّر به الى العالم ملائكة ورعاة ومجوس.
II- هل المسيح شخص تاريخي ام اسطورة شعبية:
شهادات من التاريخ المدني المعاصر
1 – "أعمال بيلاطوس"، وهي مفقودة. يُشير اليها القديس يوستينوس سنة 150، وتحتوي على بيان من بيلاطوس البنطي الى القيصر طيباريوس عن محاكمة يسوع وآلامه وموته.
2 – رسالة من بلينوس الأصغر (61 – 115)، حاكم بيثينية والبنطوس، الى القيصر ترايانوس سنة 111. يذكر فيها عن المسيحيين في آسية الصغرى ما يلي:
"انكَ لا تجد مدينة او قصبة او قرية حقيرة لم يدخلها هذا المذهب. لقد اقفرت هياكل آلهتنا وليس بعد من يقدِّم الذبائح على مذابحها... ولقد أمرتُ بالقاء القبض على بعض الخادمات المدعوات "شماسات" وبتعذيبهن، فلم أجد فيهنّ سوى مغالاة في العبادة. ويجتمع هؤلاء المسيحيون في يوم معيّن، قُبيل الفجر، فيُنشدون الأناشيد للمسيح إلههم، ويتعاهدون بالإيمان على مجانبة السرقة والكذب والزنى" (رسالة 97)
3 – "الحَوليّات" لتاقيطس (55 – 120)، وهو مؤرخ روماني وثني معاصر للرسل. وضع كتابه سنة 116، وتكلم فيه على المسيحيين بمناسبة وصفه حريق روما سنة 64 بأمر من نيرون، الامبراطور الروماني، الذي ألقى التهمة على المسيحيين، فكتب:
"لقد دُعوا مسيحيين نسبة الى المسيح الذي حكم عليه الوالي بيلاطوس البنطي في ايام طيباريوس. هذه الشيعة الخبيثة، التي كُبحت في بادئ الامر، عادت فانتشرت انتشاراً غريباً ليس في اليهودية فقط حيث نشأت، بل في المدينة (روما) نفسها ايضاً. فانبرى الحكام يعاقبون كل من يجاهر بمسيحيته، فحكموا على جمّ غفير منهم لا لأنهم أحرقوا روما، بل لأنهم يُبغضون الجنس البشري" (الحوليّات 3: 5، 44)
4 – "عاديات اليهود" للمؤرخ اليهودي افلافيوس يوسيفوس (37 – 100). وُلد في اورشليم وشهد خرابها سنة 70، ووضع كتابه سنة 93. يروي فيه دعوة يوحنا المعمدان واستشهاده، وخبر مقتل يعقوب، أسقف اورشليم و "أخي يسوع الملقب بالمسيح"، وادى في المسيح هذه الشهادة:
"كان في ذلك العهد (أي عهد هيرودوس اتنيباس) انسان حكيم – ولو صح ان نسميه انساناً – اسمه يسوع. وكان يأتي بالعجائب ويعلم من يرغبون في الوقوف على الحقيقة، فاجتذب اليه عدداً كبيراً من اليهود واليونانيين. وكان هذا هو المسيح. وسعى به زعماء ملّتنا لدى بيلاطوس، فأماته مصلوباً. غير ان مشايعيه ظلّوا على حبهم له، وظهر لهم حياً في اليوم الثالث لموته كما تنبأ الانبياء بذلك وبشؤون اخرى تتعلق به. وهناك جماعة من الناس لا تنفك باقية حتى اليوم، يسمّون مسيحيين، نسبة اليه (عاديات اليهود 18: 3/3)
5 – التّلمود (من القرنين الاول والثاني) هو مجموعة تقاليد يهودية وشروح للشريعة. ذُكر فيه ان الاسرائيليين أقروا بعجائب يسوع الناصري، بيد انهم نسبوها تارة الى ابليس، وطوراً الى "يهوه" إله اسرائيل (فصل 12: 1 – 27)
III- المسيحية دعوة الى حياة جديدة
· وُضعت خطوطها الاساسية ومرتكزاتها في مغارة بيت لحم حيث انشد الملائكة: "المجد لله في العلى وعلى الارض السلام وفي الناس المسرة".
· واعلنها يسوع نفسه خلال ثلاث سنوات من التبشير في بلاد فلسطين مبتدئاً بالعماد في الاردن ثم بالعظة على الجبل خلاصة ديانته الجديدة. (متى 5: 1 – 20 خاصة 21 – 47). والانجيل ورسائل الرسل هي خلاصة هذه الديانة. سمعتم انه قيل للأقدمين... اما انا فأقول لكم...
· وختمت بآلام يسوع واستشهاده على الصليب محكوماً بتهمة ادعائه انه ابن الله وبنشره تعاليم جديدة تنقض تعاليم اليهودية والوثنية معاً.
· وثبتت مصداقيتها بقيامته من القبر بعد ثلاثة ايام وظهوره للرسل مؤكداً لهم انه حقاً ابن الله ونبوءته للحكام: "انقضوا هذا الهيكل وانا بعد ثلاثة ايام اقيمه". وبقيامته انتصرت تعاليمه. القيامة اساس المسيحية.
· واعتلنت للعالم يوم العنصرة حيث حل على الرسل الروح القدس فانارهم وشجعهم وانطلقوا حاملين الى العالم البشارة الجديدة. القيامة ثبتت الرسل، والعنصرة جعلتهم مبشرين وشهداء.
· هذه الدعوة كتبت تاريخاً جديداً للبشرية جمعاء.
· عهد جديد مفاهيم جديدة للقيم نقضت المفاهيم القديمة. والمسيح اعلن نفسه المعلم والطريق والحق والحياة ونور العالم وان تعاليمه هي السبيل الى الخلاص والسعادة الابدية.
IV – ثوابت الدعوة المسيحية الجديدة
· دعوة الى حياة بالروح الى ملكوت السموات فتحت آفاقاً سماوية للانسان الارضي. "طوبى للفقراء بالروح فان لهم ملكوت السموات... مملكتي ليست من هذا العالم... لا تعبدوا ربّين الله والمال... ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله".
· هدمت الكبرياء ودعت الى الوداعة والتواضع. "تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم... طوبى للودعاء فانهم يرثون الارض... اكل مع العشارين والخطأة".
· هدمت الطبقية ودعت الى المساواة بين البشر فكلهم ابناء الله. "ابانا الذي في السموات – في المسيحية "ليس عبد ولا حر ولا أعجمي ولا اسكوتي بل المسيح الذي هو كل شيء وفي كل شيء".
· هدمت الانتقام والبغض ودعت الى الصفح والمسامحة.
"لا تغرب الشمس على غضبكم – اغفر لنا خطايانا كما نغفر لمن اساء الينا – احبوا اعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلوا لأجل الذين يضطهدونكم".
· هدمت الفساد واشباع الشهوة ودعت الى الطهارة ونقاوة القلب.
"طوبى لانقياء القلوب فانهم يعاينون الله – الاطفال كانوا المثال البريء الذي قدمه للكبار". "من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه... من أراد ان يخلص نفسه يهلكها... اذا شككتك عينك او رجلك او يدك فاقطعها..."
· هدمت الحرب والعنف ودعت الى بناء السلام.
"طوبى لصانعي السلام فانهم ابناء الله يدعون – المجد لله في العلى وعلى الارض السلام وفي الناس المسرة" – "طوبى للودعاء فانهم يرثون الارض"
· هدمت محبة الذات والانانية ودعت الى محبة للآخرين لا حدود لها: الله والقريب وانا هذا المثلث.
"احبوا بعضكم بعضاً كما انا احببتكم – ليس لأحد حب اعظم من ان يبذل نفسه عمن احب – كل ما فعلتم بأحد اخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه"
V – المسيحية ديانة الانسان
القيمة الكبرى في المسيحية هي الانسان الذي لأجله صار ابن الله انساناً...
· احترام عميق لكل إنسان، محبة شاملة خاصة للفقراء المتألمين، للطفل، للخاطئ، للحاكم، لصاحب العاهة.
· دعوته الى الحياة بكرامة وطهارة فهو ابن الله المحبوب – ابانا – الابن الشاطر.
· دعوته الى التحرر من المتسلطين، دينيين ومدنيين، ومن عبادة الحرف في الشريعة. "الويل لكم ايها الكتبة والفريسيون... لا سلطان إلا من الله... لا تدعو لكم ابا على الارض..."
· دعوته الى تنمية مواهبه (الوزنات) والطموح الى السعادة والحياة الابدية – توبيخ الفريسيين – شريعة السبت.
· اجتراح العجائب لمساعدته في حاجاته المتنوعة: عرس قانا – تكثير الخبزات – الصيد العجيب للرسل.
الخاتمة
كتاب المرجع للمسيحيين هو الإنجيل المقدس، فيه الصورة الحقيقية للمعلم الإلهي التي علينا أن نرسمها كل يوم في حياتنا.
أنا مسيحي بقدر ما أنا أشبه المسيح في أفكاره وأقواله وأعماله.
الإنجيليون الأربعة فرضوا على البشرية الغارقة في أحضان الرذيلة انقلاباً كاملاً في حياتها الفكرية والأدبية والاجتماعية.
والمسيحيون على مر الأجيال أحاطوا الإنجيل بهالة من الإكرام وشبه العبادة لا تكاد تنقص عما أحاطوا به وجه إلههم المتأنس يسوع المسيح من اكرام وتجلة وعبادة.
هذا الكتاب الإلهي هو دستور سعادة البشرية في الزمن وفي الخلود.
فهل لديك كتاب الإنجيل؟ هل تتأمل فيه كل يوم؟ جرّب تجد حياتك تغيرت تلقائياً...
(قصة السيدة التي سمعت هذا الكلام)