كلمة المطران اندره حداد في تدشين برج العذراء

السبت 27/5/2006

 

نجتمع اليوم في شهر أيار المبارك، شهر إكرام العذراء مريم، لنحتفل بإنجاز عمل كبير لإكرامها هو ترميم تمثالها وتجديد برجها العالي وتلبيسه بالرخام الأبيض وإنارته إنارة فنية...

في الثامن من أيلول 1968 تم تدشين هذا البرج بعد أن اكتمل بناؤه وتكلّل بتمثال سيدة زحلة والبقاع.

واليوم وبعد ثمانٍ وثلاثين سنة، في 27 أيار 2006 يتم تدشين التمثال والبرج في حلتهما الجديدة بعد اكتمال كل الأشغال اللازمة لذلك.

وكما قام المشروع الأول ببركة الأسقف الساهر وحماس أعضاء الجمعيات واللجنة الخاصة المؤلفة لهذه الغاية وبسخاء المؤمنين، مقيمين ومغتربين، قام المشروع الجديد بعناية اختصاصيين في الهندسة والفن المقدس وبفضل المساهمات العفوية من المصلين والزائرين لهذا المقام.

?                  ?                  ?

لن ادخل في تفاصيل تاريخ بناء هذا المقام فلديكم نشرة موجزة واضحة تروي القصة بكاملها وتعطي المعلومات اللازمة.

لكن لا بد لي في هذا الاحتفال الكبير أن أوضح الأهداف التي قام لأجلها هذا التمثال:

اولاً: إن محبة العذراء هي ارث مقدس في لبنان وفي زحلة بنوع خاص. وبين ابناء زحلة وأمهم السماوية علاقة تاريخية وثيقة تتجلى في رفع شعائر وجودها وحضورها في كل بيت وفي كل شارع: صوراً وتماثيل ومزارات وزياحات ومسيرات شعبية. فهي لهم دائماً الدرع الواقية في المحن والملجأ الأمين في الملمات والأم التي تحتضن أبناءها وتحمل همومهم، لا سيما أيام الأحداث والحروب حيث كل بيت يروي حكاية عن حماية العذراء له...

ثانياً: أراد أبناء زحلة، عبر جمعياتهم واخوياتهم، أن يعبّروا عن محبتهم هذه للعذراء بإقامة رمز محسوس يعلن للملأ أن زحلة هي مدينة العذراء. فقرروا مع أساقفتهم بناء برج عالٍ يرتفع إلى السماء يحمل تمثال مريم، واختاروا له أجمل تلة من تلال مدينتهم تشرف على المدينة والسهل الفسيح معاً. وتكاتفوا، مقيمين ومغتربين، وتخطوا العقبات على أنواعها وأنجزوا هذا البرج وهذا المقام. وهم مستمرون مع لجنة المقام وجميع المحبين لمريم في تطويره وتجديده ليصبح واحداً من المزارات العالمية للعذراء.

ثالثاً: وأرادوا في الوقت نفسه أن يجعلوا من تلة العذراء هذه واحة روحية وقطعة من السماء للخلوة والعبادة والصلاة... وفي الواقع أصبح هذا المقام مزاراً يشد اليه كل أبناء المدينة والبقاع ويخرجهم من ضجيج أشغالهم واهتماماتهم المعيشية ويرفعهم إلى الأعالي حيث يكونون اقرب إلى الله والى أمهم العذراء... يزورونها باكراً قبل الذهاب إلى أشغالهم... يرتاحون اليها بعد نهاية أشغالهم في العصر والمساء وحتى ساعة متأخرة من الليل... يقيمون فيها احتفالاتهم الدينية المميزة: القداديس الخاشعة، ساعات السجود الليلية، اللقاءات الروحية الخ... يأتون اليها كباراً وصغاراً، أمهات وآباء حاملين صغارهم على أكتافهم ويطرحونهم على أقدامها ويقبلون صورتها ويدهنونهم بزيت سراجها... والشباب يجدون في معبدها المستدير الهادئ المكان الملائم لخلوات طويلة يبثون أثناءها هموم حياتهم وقلقهم على مستقبلهم. ويركع أمامها المرشحون لبناء حياة جديدة لتبارك حبهم وتقدس رباطهم الزوجي المرتقب.

رابعاً: ولعل أفضل ما قدمه هذا المقام لأبناء زحلة والبقاع وللزائرين القادمين اليه من كل حدب وصوب انه أصبح مركزاً مسكونياً بامتياز، يتلاقى فيه جنباً إلى جنب المصلون من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان والجنسيات والألوان، موحَّدين ومُجْمِعين جميعاً على إكرام العذراء والتعبد لها وطلب شفاعتها.

فهي عند المسيحيين والدة الإله أم المسيح وأم المسيحيين وأم الكنيسة، الممتلئة نعمة والمباركة بين جميع النساء.

وهي عند المسلمين أم المسيح عيسى ابن مريم، رسول الله وكلمته القاها إلى مريم وروح منه (سورة النساء 170).

وهي السيدة التي اصطفاها الله وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين (آل عمران 42) ونفخ فيها من روحه وجعلها وابنها آية للعالمين (الأنبياء 91).

إن العذراء مريم في مقامها هذا تكوِّن رابطة وحدة ومحبة بين كل زائريها وفي غمرة خلوة وخشوع ينسون من هم وما يفرقهم، ولا يذكرون إلاّ أنهم جميعاً أبناء مريم وإخوة أحبّاء فيما بينهم، يركعون الواحد إلى جنب الآخر، يقرعون صدورهم، يذرفون الدموع، يطلبون النعم والشفاء لمرضاهم والرحمة لموتاهم.

إن زيارة سيدة زحلة والبقاع وإقامة الصلوات والاحتفالات في مقامها تعمل لأجل وحدة اللبنانيين ووحدة المسيحيين أكثر من جميع مؤتمرات الحوار المحلية والعالمية...

?                  ?                  ?

لأجل استمرار وزيادة هذه الخيرات الروحية النابعة من هذا المقام عملنا مع اللجنة الكريمة، والأصدقاء المتطوعين، على أن نحقق تدريجياً، وبشكل هادئ ومتواصل كل ما سبق ان خططه اسلافنا لتطوير هذا المقام وتوسيع مدى خدماته للمصلين والزوار. فقمنا ببناء هذه الكنيسة الجميلة وكل ما حولها من قاعات ومرافق. ونظمنا المداخل والساحات والحدائق وأمنّا الخدمة الروحية بوجود كاهن مسؤول وحاضر دائماً. وخلقنا جواً من الاحترام والخشوع في الداخل والخارج. بقي امامنا الكثير من المشاريع المرتقبة. وكان آخر ما قمنا به ترميم تمثال العذراء نفسه وتلبيس برجها هذه الحلة الجديدة. ولم نتردد امام الكلفة الكبيرة للمشروع، فقد باركت العذراء المبادرة وكانت مساهمات المؤمنين من الابناء والاصدقاء أكثر من المتوقع.

?                  ?                  ?

لا يسعني في ختام هذه الكلمة الا ان اشكر حضوركم جميعاً ومشاركتكم في هذه الذبيحة الالهية.

كما اشكر كل الذين عملوا في تحقيق هذا الانجاز الرائع لتكريم الام العذراء بالتعاون مع لجنة المقام، فقدموا المساعدات المتنوعة، نقدية او عينية، دراسات او اعمالاً. وانوه بشكل خاص بالاهتمام الكبير الذي اولاه لهذا المقام المجلس البلدي في زحلة بشخص رئيسه المهندس اسعد زغيب ومدير عام شركة كهرباء زحلة المهندس اسعد نكد ومعاونيه ومجموعة رجال الأعمال والمهندسين والفنيين المتطوعين الذين خططوا ويخططون معنا ليجعلوا من مقام سيدة زحلة والبقاع معلماً دينياً وسياحياً عالمياً...

واحوّل شكري الى صلاة حارة سائلاً امنا العذراء ان تبارك جميع المحسنين وتسكب في قلوبهم الفرح الدائم وتحميهم من كل شر وخطر.

واوجه نداءً خاصاً الى ابنائنا الشابات والشباب الذين يريدون ان يبنوا حياتهم ومستقبلهم على اساس ثابت: تعالوا الى مريم، تعالوا الى بيتها هذا بيتكم، كرسوا لها شبابكم، استودعوها نقاء قلوبكم وطهارة اجسادكم، استودعوها عنفوانكم وطموحكم وآمال مستقبلكم، انها القائدة الى الحق والخير والجمال. انها الطريق الاكثر اماناً الى ابنها يسوع. انها ام يسوع وام كل واحد منا. هي اعطتنا يسوع ويسوع اعطاناها على الصليب اماً لنا. فعيشوا مع مريم وعيشوا مع يسوع. عيشوا مع يسوع متكئين على مريم لأن من يحيا مع مريم يحيا مع يسوع.