اليوم الخامس: الجمعة 23 شباط
العذراء مريم سيدة الرسل وام الكنيسة
في الصلاة الاولى لمدائح العذراء، وهي من اجمل صلوات الصوم، نذكر ان مريم العذراء هي ام: ام المسيح والدة الاله اشرف لقب تعطيه لها الكنيسة. كان ذلك في مجمع افسس 431. وهي في الوقت نفسه ام المؤمنين بابنها وام المسيحيين. وهذا ايضاً لقب شريف اعطاها اياه ابنها وهو على الصليب بشخص يوحنا الحبيب... "يا امرأة هوذا ابنك، يا تلميذ هذه امك".
فقد كانت حاضرة في كل حياة ابنها وفي حياة الكنيسة الفتية وفي حياة المؤمنين عبر كل الاجيال.
في حياة ابنها
من البشارة، ليكن لي حسب قولك، الى الميلاد في المغارة ومسؤولية الامومة، الى الهرب الى مصر وتحمّل كل انواع المخاطر، الى الرجوع الى الناصرة والسهر على ابن الله ينمو في السن والنعمة امام الله والناس، الى البحث عنه في اورشليم بعد العيد فتجده بين العلماء متفوقاً عليهم، الى رحلات التبشير في فلسطين وهي تتبعه، وهذه مغارة المنطرة شاهدة. الى مراحل الآلام حيث تقف الى جنب صليبه بشجاعة وترافقه الى القبر فتستحق ان تنعم بفرح قيامته... كانت الام المثالية تعطي قدوة للامهات في السهر على اولادهن ومرافقتهن في كل مراحل حياتهم.
في حياة الرسل
وبعد صعوده كانت ام الرسل حضنتهم، جمعتهم في العلية الصهيونية، اقامت معهم عشرة ايام في رياضة روحية. وعند حلول الروح عليهم اطلقتهم يعظون ويبشرون، يحملون معلمهم الى كل العالم. انها حقاً ام الكنيسة الناشئة وسيدة الرسل ومعلمتهم.
في ايامنا.
وفي ايامنا، عبر الاجيال، ما زالت تطل على ارضنا، تزور ابناءها، تظهر للاطفال والابرياء منهم، تحمّلهم رسائل طالبة ان يتوب جميع الناس وان يصلوا كثيراً وان يحبوا ابنها يسوع وان يحاربوا الخطيئة. وتثبت صحة رسالتها بعجائب كثيرة ومع عدد كبير من المؤمنين. هذه ظهورات لورد 11 شباط 1858 عيّدنا لها من اسبوع – لورد كنيسة العالم، مركز تلاقي المرضى والمقعدين والبائسين ومركز تجدد الايمان لكل من يذهب اليها.
التعبّد للعذراء
وهذه العذراء ام الكنيسة وام المؤمنين هي امي انا ايضاً تحبني وتريد ان اكون دائماً متعبداً لها عبر صلوات اكرامها ومدحها وخاصة صلاة المسبحة. المدائح هي مسبحتنا...
قصة اكبر كاهن معمر في العالم 110 سنوات: الاب كاو من هونكونغ يقول مظهراً سر حياته الطويلة عمره 110 سنوات ومشهور بحبه للعذراء. بنى 6 كنائس صغيرة و3 كنائس كبيرة مكرسة للعذراء... انا لا ادخن، انا لا انرفز، انا لا اشرب كحولاً، انا لا آكل كثيراً، ولا ارتكب حماقات، انا لا اتوقف عن الصلاة كما لا اتوقف عن عمل الرياضة. ثم يقدم مسبحته التي لا تفارقه ويقول: هذه المسبحة تلازمني منذ 74 سنة. كل يوم اصلي المسبحة عدة مرات وامي مريم تظن انني ابنها المطيع، ولهذا تشفعت لدى يسوع كي يعطيني عمراً طويلاً.
وهذه المدائح هي المسبحة البيزنطية للصلاة الى العذراء. اليكم لمحة تاريخية سريعة عن تاريخها ومدى ارتباطها بحياة المؤمنين...
المدائح وقصتها التاريخية:
مؤلِّف هذه الاناشيد الكاهن القديس رومانس الشاعر – من مدينة حمص في القرن الخامس للمسيح. خدم في بيروت ثم في القسطنطينية.
تتألف من 24 بيتاً بعدد احرف الابجدية اليونانية. تتناول كل اسرار حياة العذراء واعيادها بدءاً من بشارة الملاك جبرائيل. وكان المؤمنون يصلونها بتواتر وايمان.
ارتباطها بتاريخ الحماية المسيحية
وتمر الايام والسنون. واذا بالمملكة البيزنطية المسيحية مهددة من كل جهة، واذا بالحضارة المسيحية التي كانت تلك المملكة تمثّلها وتحميها، اصبحت معرضة لغزوات الامم الغربية من فرس وآبار وعرب وغوط وصقالبة ومجر.
في سنة 614 اجتاح الفرس بلاد المشرق، فدمّروا انطاكية ودمشق، واستولوا على اورشليم وقتلوا فيها في يوم واحد اكثر من مئة الف مسيحي، وهدموا مزاراتها المقدسة، وسبوا رهبانها وكهنتها واساقفتها وبطريركها، وانتزعوا عود الصليب المكرَّم من على هيكل الجلجلة، وعادوا به الى بلادهم غانمين. فثار عليهم هرقل ملك الروم وكسرهم، واسترجع الاسرى وعود الصليب.
ولكن الفرس ما لبثوا ان اعادوا الكرّة في سنة 626، فهاجموا البلاد المسيحية وبلغوا اسوار القسطنطينية، وشدّدوا في حصارها، حتى قنط الشعب المسيحي فيها. وبالجهد استطاع الملك هرقل ان يخرج من المدينة ويجتاز صفوف المحاصرين لكي يذهب الى الاقاليم ويجمع الجيوش ويقودها لفكّ الحصار عن العاصمة.
كان في اثناء غيابه قد سلّم القيادة والحكم للبطريرك المسكوني سرجيوس، الذي توكل على الله ولم يهمل وسائل الدفاع الحربي. وكانت ليلة السابع من آب سنة 626 الموعد الذي حدّده الفرس للهجوم على المدينة. فأمر البطريرك، واذا بالجيش والشعب كله يجتمع فوق اسوار العاصمة يقضون الليل ساهرين، وقوفاً، شاكي السلاح. وعلت من صفوف المؤمنين ابيات "نشيد المدائح لوالدة الاله" الذي كان وضعه رومانوس الشاعر الحمصي، واذا بالشعب كله يردد بعد كل بيت تلك اللازمة الرائعة: "افرحي يا عروسة لا عروس لها"، او اللازمة الاخرى: "هللويا".
لم يكن هذا نشيد حرب، ولم تكن فيه اصلاً أي اشارة لجهاد او معركة او حصار. لكن تلك الابيات الملهمة، التي تضمنت اجمل ما ابتكره الشعور المسيحي من مديح للعذراء والدة الاله، كانت في ساعات الخطر تندفع طوعاً على شفاه المؤمنين وتصعد الى السماء متوسلة خاشعة.
واذا بصفوف الاعداء تتحرك تحت جناح الظلام. وعبثاً انتقلت ابصار المؤمنين المحاصَرين الى مياه البوسفور لعلّها تبصر في ظلام الليل سفن الملك هرقل تحمل النجدة للعاصمة. وعبثاً نظر البطريرك الى ما تبقى من الجيوش المسيحية، وقارنها بجيوش الفرس الوثنيين... ولم يبقَ له من ملجأ إلا السماء...
واذا بالاعجوبة المرتقبة تتم. فتظهر في السماء سيدة عظيمة جميلة ترفع يدها وتدفع الجبوش البربرية الى الوراء. واذا بجحافل الفرس تتخاذل وتتراجع، واذا بها تتخبط في الظلام وتتحارب، واذا بغوغائها يملأ الفضاء.
وما تطلع الشمس حتى تبيد الرؤيا، ويبيد معها الاعداء المحاصرون. فهرع الشعب الى الكنائس، وملأ الساحات والشوارع. وارتفعت اصوات المرنمين تنشد من جديد "نشيد مدائح والدة الاله". ولهذه المناسبة وضع البطريرك لهذا النشيد التقليدي مقدمة جديدة تشير الى اعجوبة انقاذ العاصمة، وتعلن العذراء الطاهرة "قائدة لا تغلب" وسلطانة المدينة المالكة، فكان القنداق الشهير: "نحن عبيدك يا والدة الاله..."، وقد جاء في اصله اليوناني: "انا مدينتك يا والدة الاله..."
وامر البطريرك باقامة عيد سنوي احياءً لذكرى هذه الاعجوبة. فكان ما أمر، وكان عيد "الاكاثستوس" في السبت الخامس من الصوم. وقد دعي العيد بهذا الاسم، الذي يشير الى "عدم الجلوس"، لان نشيد المدائح منذ ذاك الحين الى يومنا هذا يرنّم به وقوفاً اكراماً للعذراء، كما ترنم به الشعب القسطنطيني في ليلة 7 آب سنة 626 وهو واقف على اسوار مدينة القسطنطينية يحمي عاصمة الحضارة المسيحية الشرقية ضد هجمات البربر.
الخاتمة
لنجدد ايماننا بأن العذراء مريم هي حقاً امنا الروحية، ام الكنيسة وشفيعتنا المسموعة الكلمة لدى الله، وحاميتنا افراداً وعائلات ووطناً من كل المخاطر. وحوادث التاريخ القديم والحديث تشهد بأنها لم تهمل يوماً من يلجأ اليها بالصلاة البنوية الحارة...
هكذا علمنا قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني إذ أعلن تكريس حبريته لمريم "انا بكليتي لك Totus Tus" وهي التي حمته في 13 ايار 1981 من رصاصة اوقجا القاتل. وقد حمل هذه الرصاصة في 13 ايار 1985 وعلقها في تاج سيدة فاطيما وطوَّب اولاد الظهورات.